الأحد، 30 سبتمبر 2012

بنور فاطمة صلوات الله عليها اهتديت 3 عبد المنعم حسن






بنور فاطمة صلوات الله عليها اهتديت


عبد المنعم حسن


الاهداء
إلى بضعة المصطفى وقرة عينه...
إلى التي ترعرعت في بيت الوحي وتربت في حضن أعظم الأنبياء...
إلى الصديقة الطاهرة المطهرة المعصومة..
وصاحبة المواقف الفاصلة..
إلى المظلومة المقهورة المهضوم حقها..
إلى الشمعة التي أخذتني إلى حيث الهداية..
وفتحت لي آفاق نور الولاية..
سيدتي ومولاتي فاطمة الزهراء (ع)..
وإلى حفيدها الأمل المرتجى وكاشف الدجى.
العدل المنتظر المهدي الحجة بن الحسن عجل الله فرجه الشريف الإمام الثاني عشر والخاتم الذي يملأ الأرض عدلا وقسطا..
راجيا القبول






الشيعي المعلن، ولا أشك كما ذكرت أن التوجه في السودان كان شيعيا ولكن بمرور الزمن وتوافد التجار العرب باتجاهاتهم المختلفة والخوف من سطوة الأيوبي كل ذلك كان له الأثر في تغيير الأجيال اللاحقة.
إن معرفة وصلة السودانيين بأهل البيت (ع) تتجلى في عدة مظاهر منها (1).
(1) الولاء الديني والسياسي.
إن قطاعا كبيرا من الشعب السوداني ينتمي إلى طوائف صوفية تقود العمل السياسي والديني والتي غالبا ما يكون زعماؤها ممن ينتسبون إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، والارتباط العاطفي لهذا القطاع العريض بهذه الطرق على أساس أنهم ينتسبون إلى أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا توجد طريقة صوفية في السودان يجهل منتسبوها أهل البيت (ع) بل ويكنون لهم حبا واحتراما جما وللدلالة على ذلك نشير إلى بعض ما ورد في كتب الشريف يوسف الهندي مؤسس الطريقة الهندية كنموذج حي لما أسلفنا: -
(اللهم إنما نحمدك بجميع محامدك السنية ونسألك بذاتك وصفاتك والكتب القديمة والأديان. أن تصلي وتسلم على محمد وآله وصحبه في كل طرفة عين، وعلى صالح آبائه وأزواجه وأبنائه والإخوان، وعلى إمام الأئمة علي وسيدتنا فاطمة اللذين تخيرت منهما الذرية، وابنيهما سيدي شباب أهل الجنة وريحانتي نبي هذه الأمة الحسنان، وعلى أئمتنا علي زين العابدين ومحمد باقر العلوم الدينية وجعفر الصادق وموسى الكاظم قادة الإنس والجان وعلي الرضا ومحمد الجواد الهداة الهادية المهدية وعلي الهادي والحسن العسكري الخالص وارثي أسرار النبوة وعلوم القرآن وإمامنا المهدي صاحب البشارة الفاطمية الذي لا خير في العيش ولا في الحياة بعده لأهل الإيمان (نقلا عن المولد الكبير ص 72 الشريف يوسف الهندي). ولم يكتف المؤلف
____________
(1) - مقاطع من دراسة للكاتب السوداني الطيب أحمد حسن في مجلة أهل البيت (ع) العدد الأول بيروت تحت عنوان أهل البيت (ع) تراث المسلمين في السودان.

الصفحة 50
بذكر أهل البيت (ع) ضمن مؤلفاته النثرية بل ضمنهم مجموعة من قصائده نذكر قصيدة جاء فيها:
الحسنين والإمام والزهراء في القتام * زين العابدين تمام القادات الهمام
الكاظم للكلام والراضي بالقسام * الهادي للأنام والباقر للظلام
آل البيت يا غلام أصل الدين والنظام * في المبدأ والختام بهم نيل المرام
ويقول في أخرى: -
سفن النجاة للملا بشهادة النص الأتم * هم النهى هم البهى هم التقى أهل الشيم
هم الشفاعة في غد هم السقاية في الملم * هم الهداية حاضرة والنور والقصد الأعم
الطيبون الطاهرون من سوء أرجاس اللمم
والبيت الأخير دليل على اعتقاد الشاعر بعصمة أهل البيت (ع) عن اللمم فضلا عن غيرها من الذنوب والكبائر.
وهنالك الكثير من شعراء الصوفية الذي تخصصوا في مدح آل البيت (ع) وهذا أحدهم يسمى البرعي ومعروف في السودان يقول: -
هم أهل البيت الواضح سرهم * زرهم بمحبة لتنال من برهم
سيدي الحسين الثائر درهم * وعلي زين العابدين حبرهم
جعفرنا الصادق مع موسى صدرهم * أستاذنا الباقر في العلم بحرهم
في البر وبحرهم لله درهم

الصفحة 51
بعض الأسماء المنتشرة في السودان:
إن أهل البيت (ع) اختصوا بألقاب لم تكن معروفة من قبلهم وارتبطت بهم ارتباطا وثيقا وتناقلها محبوهم وأتباعهم جيلا بعد جيل وصارت أسماء متداولة وهي المرتضى (علي) والزهراء وبتول (فاطمة) حسن وحسين زين العابدين (السجاد)، الباقر، الصادق، الكاظم رضا الهادي والمهدي وهذه الأسماء نجدها منتشرة في السودان بكثرة تلفت النظر. وربما يكون انتشار اسم المهدي نسبة لمحمد أحمد المهدي الذي قام بثورة ضد الأتراك وطردهم من السودان وكون حكومة إسلامية وذلك باعتبار أنه المهدي المنتظر، وأيا كان سبب انتشار الاسم يبقى جذر الاعتقاد بولاية أهل البيت (ع). وكل الأسماء المذكورة نجدها في السودان أكثر من الدول العربية الأخرى مما يدلل على عمق محبة السودانيين لأهل بيت النبوة (ع).
3 - كما أن هنالك العديد من القبائل التي تدعي انتسابها لأهل البيت (ع) ولا يعنينا البحث عن صحة مدعاهم وإنما نورد ذلك لدلالته على صدق قولنا حول عمق معرفة ومحبة الناس لأهل البيت (ع) ومن هذه القبائل العبدلاب ويذكرون أن نسبهم ينتهي إلى الإمام محمد التقي بن علي الهادي، وقبيلة الركابية التي يرجع نسبها كما يذكرون إلى الإمام موسى بن جعفر الكاظم وهنالك أيضا قبيلة الجعافرة التي تنتسب إلى الإمام جعفر الصادق (ع)... وغيرها من القبائل.
4 - الثقافة الشعبية:
إذا أراد أحد السودانيين أن يعبر عن مدى مظلوميته وبالغ الحيف الذي وقع به يقول: (أنا مظلوم ظلم الحسن والحسين) وربما لا يدرك البعض رغم ترداده لهذه المقولة من الذي ظلم الحسن؟ ومن الذي ظلم الحسين؟ وكيف ظلما إنما هو يردد جزءا من الموروث الثقافي الشعبي في السودان، ومن ناحية أخرى لا يكاد أحد منا في صغره لم يسمع شيئا من أبويه أو جدية عن سيف علي الكرار وشجاعة حيدر الكرار وشعر المدائح السوداني يفيض بهذه المعاني.

الصفحة 52

الصفحة 53
الفصل الرابع
بنور فاطمة اهتديت

الصفحة 54

الصفحة 55
حوار في بداية الطريق
كنت قلقا جدا وأنا أحاول تجنب أي حوار مع ابن عمي حول هذا المذهب الجديد الذي تجسد في سلوكه أدبا وأخلاقا ومنطقا مما جعلني أفكر في أنه لا غضاضة في النقاش معه حول أصل الفكرة رغم قناعتي بأن ما يؤمن به لا يتجاوز أطر الخرافة، أو ربما نزوة عابرة جعلته يتبنى هذه الأفكار الغربية.
قلقي كان نابعا من تخوفي لأن أتأثر بفكرته أو ربما أجد أنها تجبرني على الاعتراف بها وبالتالي أخالف ما عليه الناس وما وجدت عليه آبائي وسأكون شاذا في المجتمع وربما اتهمت بأني مارق من الدين كما أتهم.
ولكني تجاوزت كل ذلك وقررت أن أخوض معه حوارا لعلني أجد منفذا أزعزع من خلاله ثقة هذا الرجل بما يعتنقه خصوصا وأنني قرأت كتبا لا بأس بها ضد الشيعة والتشيع ومنها كان المخزون الذي من خلاله أنطلق لجداله فبدأت معه الحوار.
قلت له: الآن أنت تركت ما كان عليه الناس وأصبحت شيعيا فما هي الضمانات التي تمنعك من أن تغير مذهبك غدا؟
قال: الآية الكريمة تقول (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) وأنا من أنصار الدليل أينما مال أميل وقد أفرغت وسعي وتوصلت إلى أن الطريق المستقيم هو مذهب أهل البيت (ع) والدليل على صحته أن الأدلة التي يسوقها أصحابه مما اتفق عليه جميع المسلمين.
قلت: لكن لماذا لم يكتشف غيرك هذه الحقيقة؟
قال: أولا: من قال لك أنه لا يوجد غيري! وثانيا وصول غيرك للحقيقة أو عدمه ليس دليلا على صحة أو خطأ ما توصلت إليه، إن المسألة تكمن في نفس وجدان الحقيقة والحق ومن ثم اتباعه ولا شأن لي بغيري لأن الله يقول (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) (سورة المائدة / 5).

الصفحة 56
قلت له: لو افترضنا صحة مذهب الشيعة ذلك يعني أن 90 % من المسلمين على خطأ لأن كل المسلمين يؤمنون بمذهب أهل السنة والجماعة. فأين هذا التشيع من عامة الناس؟
قال: الشيعة ليست بهذه القلة التي تتصورها، فهم يمثلون غالبية في كثير من الدول، ثم إن الكثرة والقلة ليست معيارا للحق بل القرآن كثيرا ما يذم الكثرة يقول تعالى (ولكن أكثركم للحق كارهون) (سورة الزخرف: آية / 78) ويقول (ولا تجد أكثرهم شاكرين) (سورة الأعراف: آية / 17) (وقليل من عبادي الشكور)، (سورة سبأ: آية / 13)، وبذلك لا تكون الكثرة دليلا على أنهم على حق.
أما التشيع كمنهج سماوي فهو موجود بدليل أنني شيعي، وإذا وجه الإشكال إلى عدم انتشار التشيع فهذا يتوجه أيضا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أول دعوته وحتى وفاته إذ أن الإسلام لم يكن منتشرا ومع ذلك فهو الحق المنزل من قبل الله تعالى.
قلت متعجبا: وهل تريدني أن أسلم بأن آباءنا وأجدادنا الذين عرفناهم متدينين طريقهم غير الذي أمر به الله.
ابتسم قائلا: أنا لست في مقام بيان وتقييم أحوال الماضين فالله أعلم بهم ولكن أذكرك بأن القرآن يرفض أن يكون الأساس في الاعتقاد تقليد الآباء والأجداد يقول تعالى: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) (سورة البقرة: آية / 170).
شعرت بأن الحوار قد أخذ منحى عاما وأن حجته بدت في هذا المجال قوية ومدعمة بآيات قرآنية فقررت أن أناقش معه مفردات معتقده التي قرأت نقدها من الكتب وتركتها كورقة أخيرة في النهاية لأني على ثقة من أنه لا يستطيع الإجابة عليها، ولقد أضفت إليها رأيي الخاص، ولأغير مجرى الحديث إلى حيث أريد قلت له:

الصفحة 57
حسنا ماذا تقول الشيعة؟!
هنا اعتدل في جلسته وقال: الشيعة يقولون أن هذا الدين الخاتم لا يجوز لنا أخذه إلا عن طريق أئمة أهل البيت (ع) ويعتبرون أن هذا هو عين التمسك بسنته (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو المطلوب من كل إنسان.
قلت ساخرا: كلنا نتبع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا أحد يرى أنه خلاف ما جاء به عليه أفضل الصلاة والسلام.
قال: الأمر ليس مجرد ادعاء إنما يجب إثبات ذلك بالدليل، ونحن كشيعة نرى أن المسألة الأساسية التي ابتليت بها الأمة هي مسألة الإمامة والقيادة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والتي اختص بها علي (ع) كوصي وخليفة ومن بعده أئمة أهل البيت (ع)، وواحدة من مستلزمات هذه الوصاية والإمامة الخلافة السياسية، ومن أهل البيت فقط يصح أخذ الدين أما ما أخذ من غيرهم فلا نقول أنه باطل مطلقا ولكنه حق مخلوط بباطل ونحن مأمورون بأخذ الحق فقط دون غيره.
قلت: وما جدوائية البحث حول قضية مرت عليها قرون وهل يفيدونا إذا ما كان علي هو الخليفة أم أبو بكر؟! سكت قليلا ثم قال:
عندما ننظر يا أخي لكل مشكلة يجب البحث عن جذور تلك المشكلة حتى نحللها، وما عليه المسلمون اليوم من فرقة وشتات وضياع إنما هو ناتج عن ذلك اليوم الذي حجبت فيه الخلافة عن علي بن أبي طالب وأعطيت لغيره بلا حق، ومن هناك ابتدأ افتراق الأمة والآن أنا أمامك أقول لك أن الشيعة على حق وأنت ترى خلاف ذلك، من هنا جاءت ضرورة البحث في الماضي لنعرف أين الأصل ومن الذي خالف...
هنا أخذتني العزة وقررت الهجوم عليه من كل جانب فانهلت عليه بالأسئلة مقاطعا: - إذا أنتم تشككون في الصحابة؟!

الصفحة 58
أجاب بهدوء: نحن لسنا في مقام التشكيك في أحد ما نقوله أن كل من اتبع الحق من الصحابة أو غيرهم على رؤوسنا نقدسهم نحترمهم وكل من خالف النهج السماوي القويم فلن نسمح لأنفسنا أخذ معالم ديننا منه.
- لا أريدك أن تناقشني في عموميات! من غير المعقول أن كل الصحابة الذين بايعوا أبا بكر خالفوا قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)! أتدري ماذا يعني ذلك؟
يعني أن نشكك في كل ديننا. فكيف تجوزون لأنفسكم ذلك وأرجو ألا تستعمل معي التقية المعروفة عندكم.
أجاب: أولا: التقية شرعية من الكتاب والسنة ولها مجالها، وهي ليست واجبة في كل الأحوال إنما لها ظروفها الخاصة، وأنا لا أمثل كل الشيعة، بإمكانك أن تطلع على كتب الشيعة فلن تجد غير كلامي هذا، أما بالنسبة للصحابة فالأمر لا يصل إلى مستوى التشكيك في الدين إلا إذا كان الدين عندك ملخصا في الصحابة..
قاطعته: إنهم هم الذين نقلوا لنا الدين.
قال: بحثنا الآن حول نقلهم وهذا أول الكلام وبيت القصيد أنتم تجرحون الرجال في علم الجرح والتعديل وتبدأون عملية معرفة أحوال الرجال من القرون المتأخرة بعد عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونحن الشيعة نبدأ ممن كان حول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لأن منهم من كان منافقا وآخر كان لا يفقه شيئا...
وهكذا، أضف إلى ذلك من الذي قال أن الجميع قد بايع أبا بكر، ارجع لكتب التاريخ ستجد أن أول المعترضين كان عليا (ع) ومعه مجموعة من الصحابة...
قلت: لو كان الأمر كما تدعون لنصر الله عليا وخذل أبا بكر وهذا دليل على أن الله اختار للأمة أبا بكر.
قال: بقولك هذا تلغي فلسفة الابتلاء التي يمتحن الله بها العباد. إن الله يبين الطريق للناس فقط ثم يدعهم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، والله لا يجبر الناس

الصفحة 59
وإلا نكون من الذين يقولون بالجبر فنسقط الثواب والعقاب، ونتيجة كلامك هذا أن أي شخص يتحكم في رقابنا يجب أن نهتف له ونعتبره تأييدا من الله وهذا ما لا يعقل.
ورميت آخر سهم في جعبتي قائلا: إنكم تغالون في أهل البيت وتقولون أنهم معصومون، كما أنكم تبيحون زواج المتعة وتجمعون في الصلاة وتصلون للحجر والأخير رأيته بعيني يعني لم أقرأه في كتاب فقط.
قال: أخي هذه فروع بإمكاني أن أناقشها معك ولكن من المنهجية أن تبحث أولا حول الأصل الذي يتبعه الفرع أوتوماتيكيا، فأنت عندما تريد أن تدعو شخصا غير مؤمن بالله إلى الإسلام لن تبدأ معه بكيفية الوضوء والصلاة بل لا بد من إقناعه بوجود الله تعالى ثم النبي ثم تفرع على ذلك.
فأطلب منك أخي أن تبحث بتجرد وستري نور الحقيقة. انتهينا من جلسة الحوار هذه وأنا متعجب من هذه الثقة التي يملكها، وفكرت في البحث ولكن ليس لكي أقتنع وإنما لأملك أدلة أقوى أدحض بها حججه، وبعد فترة قررت ألا أدخل معه في نقاش حتى أكون بعيدا عن المشاكل وحتى لا أتأثر بهذه الأفكار الغريبة والتي أرى شخصا عن قرب يتبناها.
ثم كانت البداية التي جعلتني أنطلق في البحث.
البداية
" تسرون حسوا في ارتغاء وتمشون لأهله وولده في الخمر والضراء، ونصبر منكم على مثل حز المدى ووخز السنان في الحشى، وأنتم الآن تزعمون لا إرث لنا أفحكم الجاهلية تبغون؟ ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون؟ أفلا تعلمون؟ بلى قد تجلى لكم كالشمس الضاحية أني ابنته، أيها المسلمون!! أأغلب على إرثي.
يا بن أبي قحافة! أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي لقد جئت شيئا فريا أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول (وورث سليمان

الصفحة 60
داوود) وقال فيما اقتص من خبر زكريا - إذ قال (فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب) وقال (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) وقال (إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين) وزعمتم أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي أفخصكم الله بآية أخرج أبي منها؟ أم تقولون إنا أهل ملتين لا يتوارثان؟ أولست أنا وأبي من أهل ملة واحدة؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟ فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك. نعم الحكم الله والزعيم محمد والموعد القيامة وعند الساعة يخسر المبطلون ولا ينفعكم إذ تندمون.
بنور فاطمة اهتديت
كلمات كالسهم نفذت إلى أعماقي. فتحت جرحا لا أظنه يندمل بسهولة ويسر، غالبت دموعي وحاولت منعها من الانحدار ما استطعت!.
ولكنها انهمرت وكأنها تصر على أن تغسل عار التاريخ في قلبي، فكان التصميم للرحيل عبر محطات التاريخ للتعرف على مأساة الأمة وتلك كانت هي البداية لتحديد هوية السير والانتقال عبر فضاء المعتقدات والتاريخ والميل مع الدليل.
كان ذلك في الدار التي يقيم فيها ابن عمي الشيعي! جئت لتحيته والتحدث معه عن أمور عامة... لحظة ثم لفت انتباهي صوت خطيب ينبعث من جهاز التسجيل قائلا " وهذه الخطبة وردت في مصادر السنة والشيعة وقد ألقتها فاطمة الزهراء لتثبيت حقها في فدك، ثم بدأ الخطيب في إلقاء الخطبة.
إلى حين استماعي لهذا الشريط لم أكن على استعداد للخوض في قضايا خلافية مذهبية. قد عرفنا أن الأخ - ابن عمي - شيعي وسألنا الله أن يهديه، وكنا نتحاشى الدخول معه في نقاش بقدر استطاعتنا. وذلك بعد الحوار الذي مر في بداية هذا الفصل. ولكن أبى الله سبحانه وتعالى إلا أن يقيم علينا حجته.

الصفحة 61
بصوت هادئ جميل بدأ الخطيب في الخطبة وتدفق شعاع كلماتها إلى أعماق وجداني، وضح لي أن مثل هذه الكلمات لا تخرج من شخص عادي حتى ولو كان عالما مفوها درس آلاف السنين، بل هي في حد ذاتها معجزة. كلمات بليغة.. عبارات رصينة، حجج دامغة وتعبير قوي.. تركت نفسي لها واستمعت إليها بكل كياني وعندما بلغت خطبتها الكلمات التي بدأت بها هذا الفصل لم أتمالك نفسي وزاد انهمار دموعي. وتعجبت من هذه الكلمات القوية الموجهة إلى خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومما زاد في حيرتي أنها من ابنة رسول الله فماذا حدث؟
ولماذا.. وكيف؟!! ومع من كان الحق وقبل كل هذا هل هذا الاختلاف حدث حقيقة؟ وفي الواقع لم أكن أعلم صدق هذه الخطبة ولكن اهتزت مشاعري حينها وقررت الخوض في غمار البحث بجدية مع أول دمعة نزلت من آماقي.. وفي هذا المنحى لا أريد أن أسمع من أحد، فقط أريد خيط البداية أو بداية الخيط لأنطلق، ولم تكن الخطبة مقصورة على ما ذكرته من فقرات بل هي طويلة جدا وفيها الكثير من الأمور التي تشحذ الهمة لمعرفة تفاصيل ما جرى وظروفه الموضوعية المحيطة به.
انتهى الشريط، كفكفت دموعي محاولا إخفاءها حتى لا يحس بها ابن عمي، لا أدري لماذا؟ ربما اعتزازا بالنفس، ولكن هول المفاجأة جعلني أنهمر عليه بمجموعة من الأسئلة وما أردت جوابا، إنما هي محاولة للتنفيس وكان آخر أسئلتي إذا كان ما جاء في بعض مقاطع الخطبة صحيحا فهل كل ذلك من أجل فدك قطعة الأرض؟!
أجابني: عليك أولا أن تعرف من هي فاطمة ثم تبدأ البحث بنفسك حتى لا أفرض عليك قناعتي وأول مصدر تجد فيه بداية الخيط صحيح البخاري، وناولني الكتاب فكانت المفاجأة التي لم أتوقعها.
ماذا بين أبي بكر وفاطمة (ع)؟
أخرج البخاري في صحيحه الجزء الخامس (ص 82) في كتاب المغازي باب غزوة خيبر قال: عن عروة عن عائشة أن فاطمة بنت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

الصفحة 62
أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من أبيها مما أفاء عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " لا نورث من تركناه صدقه إنما يأكل آل محمد من هذا المال... إلى أن يقول البخاري فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته ولم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد النبي (صلى الله عليه وسلم) ستة أشهر فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا وصلى عليها ولم يؤذن بها أبا بكر ".
وأورد مسلم في صحيحه ذات الواقعة مع تغيير طفيف في الألفاظ يقول " فغضبت فاطمة " بدل كلمة وجدت (1).
من هاتين الروايتين وغيرهما نستخلص الآتي:
أولا: هذه الحادثة التي وقعت بين فاطمة بنت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والخليفة الأول حقيقة لا يمكن تكذيبها ولا الإعراض عنها لأنها مثبتة في متن أكثر الكتب صحة واعتمادا عند أهل السنة والجماعة بل في كل المصادر التاريخية والحديثية كما سيأتي بيانه لاحقا.
ثانيا: إن الحادثة لم تكن خلافا عابرا أو سوء تفاهم بسيط بل هي مشكلة كبرى هذا ما نلمسه من كلمة " فوجدت فاطمة على أبي بكر " أو بتعبير مسلم " فغضبت فاطمة " فالغضب والوجد معناهما واحد، محصلة أن فاطمة غضبت غضبا شديدا على أبي بكر.. بالرغم من قول الخليفة بأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قال " لا نورث " ولكن فاطمة غضبت.
ثالثا: إن غضب الزهراء كما أنه لم يكن قليلا في حدته لم يكن قصيرا في مدته بل استمر حتى وفاتها كما يقول البخاري نقلا عن عائشة " فهجرته ولم تكلمه حتى توفيت " وهذا معنى جلي في أن حالة الغضب والخلاف استمر إلى وفاتها بل إلى ما
____________
(1) - صحيح مسلم كتاب الجهاد باب قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا نورث ص 153 وكذلك أورده البخاري في كتاب فرض الخمس باب فرض الخمس.

الصفحة 63
بعد ذلك إذ أن أبا بكر لم يصل عليها ودفنت ليلا سرا بوصية منها كما سنبين.
رابعا: غضب الزهراء لم يكن منصبا فقط على أبي بكر بل شمل الخليفة الثاني بدليل عدم ذكره ضمن المصلين عليها، وسيتضح أثناء البحث أن موقف أبي بكر وعمر واحد يعني موقف الزهراء منهما وموقفهما منها، يقول ابن قتيبة في تاريخه " دخل أبو بكر وعمر على فاطمة فلما قعدا عندها حولت وجهها إلى الحائط.. إلى أن يقول فقالت: أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تعرفانه وتعملان به؟ قالا: نعم فقالت نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني ومن أرضاها فقد أرضاني ومن أسخطها فقد أسخطني؟..
قالا: نعم سمعناه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قالت: فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ولئن لقيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأشكونكما إليه، ثم قالت: والله لأدعون عليكما في كل صلاة أصليها " (1).
كل هذه الحقائق جعلت الدنيا مظلمة لدي.. وفور توصلي إليها قفز إلى ذهني ألف سؤال وسؤال.. لا أدري ماذا أفعل وكيف أفكر وإلى من ألجأ؟!! إنها بضعة المصطفى الصديقة فاطمة، أقرأ فإذا بها عاشت بعد أبيها في حالة غضب إلى أن ماتت... كيف ولماذا!! الطرف الآخر الذي غضبت عليه الزهراء إنه الخليفة الأول..
الصديق.. الخليل لقد كان يحب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) - كما علمونا - أكثر من نفسه.. فكيف يفعل بالزهراء شيئا يغضبها؟.
كيفما كانت التساؤلات ومهما كان التبرير هاهي فاطمة (ع) كما وجدت بين طيات الكتب غاضبة على الخليفتين.. وكما سأبين لك عزيزي القارئ في الفصول القادمة.. وبرغم كل الحواجز قررت مواصلة البحث والتنقيب على ألا أجعل بين
____________
(1) - الإمامة والسياسة " تاريخ الخلفاء " ص 12 - 13.

الصفحة 64
نفسي والحقائق حجاب الخوف أو الرهبة أو التبرير ومضيت في طريق ربما كان شائكا في بدايته ولكني بفضل بركات الصديقة الطاهرة وصلت إلى شاطئ اليقين، ومعها - روحي فداها - كانت البداية المفجعة والنهاية الممزوجة بحلاوة الإيمان وقمة المعرفة.
وسأبدأ معك عزيزي القارئ محطة فمحطة ولننطلق من تعريف شخصية فاطمة (ع) من خلال فضائلها التي سطرها الوحي بأحرف من نور وكللها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بصدق حديثه وهو الصادق المصدق فكانت كلماته حول فاطمة ذات دلالات ومعان نحاول أن نستقصيها في هذه الصفحات وبلا شك لن نستوعب كل ما جاء من مناقب وفضائل عن الزهراء (ع) لكني سأحاول سرد ما يفيدنا في بحثنا هذا ومن ثم نتعرف على الحقائق المحيطة بفاطمة (ع) والتي بنورها وبركاتها اهتديت وخرجت من ظلمات الجهل إلى رحاب نور أهل البيت (ع).
فاطمة (ع) في القرآن
كثيرة هي الآيات التي تحدثت عن قدسية الزهراء (ع) ومكانتها السامية سنختار هنا بعضا منها.
الآية الأولى:
قوله تعالى (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (سورة الأحزاب: آية / 33).
تشمل هذه الآية المباركة فيمن تشمل السيدة فاطمة الزهراء (ع) بل هي محور الآية وأساسها.. لأنها نزلت في أهل بيت النبوة، ولنا حديث مع أولئك الذين حاولوا إدخال البعض من غير أهل البيت في نطاق الآية، وما يهمنا الآن هو أن الزهراء معنية بهذا الخطاب الإلهي.. ولقد فصلت السنة في سبب نزول الآية وفيمن جاءت.
لقد أورد مسلم في صحيحه أن الآية محل النقاش نزلت في خمسة: النبي (صلى

الصفحة 65
عليه وآله وسلم) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (ع) وذلك في كتاب فضائل الصحابة باب فضائل أهل البيت وهو الحديث المعروف بحديث الكساء كما أنه اشتهر عند أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأهل العباءة أو الكساء وهذا من المتسالم عليه بين كل المسلمين خصوصا في مجتمعنا السوداني. وسنزيدك من المصادر التي تؤكد أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعليا وفاطمة والحسنين هم المقصودون بالآية في البحوث القادمة إن شاء الله ولكن دعنا الآن نتدبر الآية، ومن خلالها نتعرف على شخصية فاطمة (ع).
إن المتأمل في كلمات الآية يتوصل إلى أن المخاطبين بهذه الآية، وفاطمة أحدهم مطهرون معصومون من كل رجس، وتقريب ذلك تصدير الآية بأقوى أدوات الحصر على الاطلاق (إنما) مما يعني أن هذا الأمر خاص بجماعة معينة محددة لا يتعداهم إلى غيرهم، ثم يأتي البحث عن الإرادة الإلهية التي ذكرت في الآية (إنما يريد الله...) هي إرادة المولى عز وجل (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول لك كن فيكون) فلا يمكن بحال تخلف إرادته تعالى.
أما الرجس في اللغة فمعناه كل ما يلوث الإنسان سواء كان لوثا ظاهريا أو باطنيا والذي يعبر عنه بالإثم.. والرجس في هذه الآية هو اللوث والنجاسة الباطنية لأن الابتعاد والطهارة من النجاسة الظاهرية وظيفة دينية عامة لجميع المسلمين وذلك لشمول التكليف للجميع ولا خصوص لأهل البيت حتى ترد هذه الآية بحصرها وتوكيدها لنفي الرجس الظاهري عن أهل البيت. إنما جاءت لبيان فضيلة لهم خصهم بها الله سبحانه وتعالى وأخبر عنها في كتابه العزيز.
ثم يأتي التأكيد (ويطهركم تطهيرا) إن النظرة العميقة للآية تجعلنا لا نشك لحظة واحدة في عصمة أهل البيت الذين ذكروا فيها ومنهم فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فهي معصومة مطهرة من كل رجس ظاهرا وباطنا وسيأتيك التأكيد

الصفحة 66
على ذلك.
الآية الثانية:
قوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) (سورة الشورى:
آية / 23). لقد جعل الله سبحانه وتعالى أجر الرسالة مودة أهل البيت ومنهم فاطمة الزهراء، فالآية نزلت في قربى الرسول وهم علي وفاطمة والحسن والحسين كما نقل ذلك أعلام الحديث والتفسير مثل الحاكم الحسكاني الحنفي في شواهد التنزيل ج 2 ص 130 والحاكم النيسابوري في المستدرك (1).
إنها العظمة والرفعة.. لقد وزن الله تعالى الرسالة المهيمنة على كل الرسالات بمودة القربى.. لقد استحقت فاطمة هذا الوسام الإلهي بجدارة ويكفينا لتأكيد ذلك تسطيرها ضمن آيات الذكر الحكيم.. إنه رصيد يضاف لمناقب الزهراء وفضائلها وإلى المزيد.
الآية الثالثة:
قوله تعالى (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) (سورة آل عمران: آية / 61).
لم يختلف المسلمون أن هذه الآية أيضا من مختصات أهل البيت فهي نزلت يوم مباهلة نصارى نجران وقد أمر الله تعالى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأخذ معه عليا وفاطمة والحسن والحسين (ع). فكانت هذه الآية وذلك مما ذكره مسلم في صحيحه كتاب الفضائل باب فضائل علي بن أبي طالب (1). وهكذا مثلت فاطمة كل نساء الأمة وكانت المباهلة بمثابة تثبيت للرسالة، ولأهمية الحديث وعظمته في مسيرة
____________
(1) - كما أورد ذلك السيوطي في إحياء الميت والزمخشري في تفسيره الكشاف. والفخر الرازي في تفسيره والسيوطي في الدر المنثور والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة والبخاري وغيرها من المصادر.
(1) - وجاء ذلك أيضا في مستدرك الصحيحين للحاكم ومسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 158.

الصفحة 67
الإسلام كان المباهل بهم مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هم علي وفاطمة وابناهما.. مع أن الآية ذكرت نساءنا بصيغة الجمع إلا أن التمثيل المقدس كانت فاطمة فقط دون غيرها من النساء ولا حتى نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فتأمل عزيزي القارئ وانطلق بعقلك لتدرك مكانة الزهراء وعظمتها وما أظنك بقادر.
آيات أخرى:
يقول تعالى (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا) إلى قوله تعالى (إن هذا كان لكم جزاءا وكان سعيكم مشكورا) (سورة الإنسان:
آية / 5 - 22)، هذه الآيات نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين بمناسبة قصة صيامهم ثلاثة أيام وتصدقهم في تلك الأيام الثلاثة بطعامهم على المسكين واليتيم والأسير بينما هم في أشد الحاجة إلى الطعام لإفطارهم.. ولقد ذكر جمع كبير من المحدثين والمفسرين أن هذه الآيات نزلت في هؤلاء الأربعة. منهم الزمخشري في كشافه.. والفخر الرازي في تفسيره (1).
إن نزول هذه الآيات في علي وفاطمة والحسنين ينبوع أخر لكرامتهم ومكانتهم عند الله.. إذ أن الخالق جل وعلا خاطبهم من عليائه بصيغة الأمر الذي أبرمه وفرغ منه (فوقاهم الله شر ذلك اليوم، ولقاهم نضرة وسرورا وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا...) إلى آخر الآيات هذه هي حقيقة الزهراء فاطمة وتلك هي مكانتها عند الله.
يطول بنا المقام لسرد كل ما جاء عن فاطمة في القرآن ولقد جمع أحد العلماء الآيات التي نزلت في فضل فاطمة وأهل البيت فبلغت (258) آية من الذكر الحكيم.
____________
(1) - الكشاف ج 4 ص 670 ط بيروت، أسد الغابة لابن الأثير الشافعي ج 5 ص 530 - 531، تذكرة الخواص للسبط بين الجوزي وشواهد التنزيل للحاكم، الدر المنثور للسيوطي وغيرها من المصادر.

الصفحة 68
ومع ذلك لو لم تأت إلا آية التطهير أو المباهلة لكفى بها موعظة لقوم يؤمنون فهذا قرآن عظيم في كتاب مكنون تنزيل العزيز الحميد.
فاطمة (ع) بلسان أبيها
ملاحظتان قبل الانطلاق في أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن فاطمة:
الملاحظة الأولى:
إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حينما يتحدث عن فاطمة فإنه لا ينطلق من عاطفة الأبوة وهو القائل فيه البارئ عز وجل (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) في عموم حديثه عن الأشخاص لا يعطي أحدا أكثر مما يستحقه تبعا لعاطفته وحتى لو كان ذلك الإنسان ابنته.
لأننا لو قلنا بذلك لطعنا في نبوته وكلماته القدسية التي نؤمن جميعا بأنها حجة لا زيغ فيها ولا هوى.. قال عبد الله بن عمرو بن العاص: " كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنهتني قريش وقالوا تكتب كل شئ سمعته من رسول الله وهو بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتابة فذكرت ذلك لرسول الله فأومأ بأصبعه إلى فيه وقال: " أكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق ".
إن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينطق إلا صدقا وعدلا فلنضع كلماته عن الزهراء نصب أعيننا ونحن نقرأ عن موقفها بعد وفاته ولا نترك للشيطان سبيلا يتسلل منه.. لان فهمنا لهذه النقطة يمهد لنا السبيل لفهم موقف فاطمة (ع).
الملاحظة الثانية:
إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ركز في شخصية فاطمة على قدسيتها وخلوصها لله تعالى وقربها منه (صلى الله عليه وآله وسلم) بحيث يجعلك تأخذ الاحساس بأنها

الصفحة 69
جزء منه ما يصيبه كأنما أصابها وما يصيبها كأنما أصابه وأنها تمثله جسدا وموقفا..
تعبر عنه وهو المعبر عن إرادة الله تعالى وذلك في مجمل أحاديثه عن فاطمة " من أسخط فاطمة فقد أسخطني " " من أغضب فاطمة قد أغضبني ومن أغضبني فقد أغضب الله ".. وعلى هذا المنوال.
ولقد استوقفني كثيرا محور كلام الرسول عن ابنته والذي كان يدور حول غضبها وسخطها ورضاها وكأنه - بأبي وأمي - يلمح للأمة بمصيبتها وابتلائها في موقفها من الزهراء.. وهذا لا ولن يخفى على ذوي الألباب المتفتحة والقلوب المفعمة بحب النبي وآله فلماذا يا ترى كان التركيز على هذا المحور بالذات؟! هل يعقل أن يكون ذلك بلا سبب؟! ألا يحمل هذا في طياته دلالات عميقة وإشارات واضحات.
لقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبلغ العرب حين يتكلم وأكثر الناس حكمة حينما يفصح كما كان أحسنهم إنصافا للناس.
لقد هيأ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الناس حتى يصدقوا الزهراء حين تنطق وهيأهم لأن يتحاشوا غضبها إذا غضبت وأخبرهم أن أذاها أذى له وهكذا مهمة الأنبياء تربية الأمم حاضرا أثناء حياتهم وتهيئتهم لاستقبال الحوادث المستقبلية بعد رحيلهم.. والنبي وهو أعظمهم خص الزهراء وهو الصادق الأمين بهالة قدسية تحرم على الآخرين هتكها.. ولم يكن ذلك لقرابتها منه بل لأنها أخلصت للحق وذابت في بوتقته فكانت مقياسا ومعيارا للذين سيأتون بعد أبيها (صلى الله عليه وآله وسلم) وتجلت حكمة الرسول في أحاديثه المختلفة للأمة التي كانت تنظر لواقع المستقبل وهي تحمل في طياتها بصائر تتضح من خلالها الرؤية، وتحكم بها على أحداث الواقع في أي زمان ومكان. والأمثلة على ذلك كثيرة، لقد تحدث النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) عن علي بن أبي طالب (ع) حينما قال " علي مع القرآن والقرآن مع علي " لأن معاوية سيأتي يوما ما ويرفع المصاحف على أسنة الرماح طالبا التحكيم بالقرآن كما حدث

الصفحة 70
في صفين حينها ستعرف أين جهة الحق والصدق لأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ترك المعيار فعلي والقرآن لا يفترقان.. كذلك عندما قال (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمار " تقتلك الفئة الباغية " فإنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يترك مجالا للاعتذار لأولئك الذين قاتلوا في صف معاوية ضد علي ومعه عمار بن ياسر وهكذا أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تنطلق من الحاضر لتشخص داء الأمة في المستقبل.
كل ذلك يجعلنا ننظر إلى غضب الزهراء بقدسية وإلى موقفها بتعقل. إنه غضب من أجل الحق وموقف صدق ضد الانحراف.
إننا ننزه الزهراء من أن تغضب في سبيل شئ غير الحق إنه غضب مقدس وصرخة حق مدوية وبعد قليل سينكشف الغطاء وترى لماذا كان هذا الغضب.
وإليك بعضا مما قاله المصطفى في ابنته ربيبة الوحي فاطمة الزهراء (ع):
1 - " فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني ".
رواه البخاري في صحيحه باب مناقب قرابة الرسول ج 4 ص 281 دار الحديث القاهرة (1).
2 - " إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها ".
رواه مسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة باب فضائل فاطمة.
وفي رواية " فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها " (2).
3 - قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لفاطمة (ع):
" إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك " رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين كتاب مناقب الصحابة ص 154 وقال عنه حديث صحيح الإسناد ولم
____________
(1) - ذكره ابن حجر في الصواعق المحرقة ص 188.
(2) - أورده ابن حجر في صواعقه أيضا ص 190 وقد جاء هذا الحديث بصيغ مختلفة تعبر عن نفس المعنى في كثير من المصادر مثل مسند أحمد بن حنبل وكنز العمال والإمامة والسياسة لابن قتيبة... وغيرها.

بنور فاطمة صلوات الله عليها اهتديت 2 عبد المنعم حسن






بنور فاطمة صلوات الله عليها اهتديت

عبد المنعم حسن


الاهداء
إلى بضعة المصطفى وقرة عينه...
إلى التي ترعرعت في بيت الوحي وتربت في حضن أعظم الأنبياء...
إلى الصديقة الطاهرة المطهرة المعصومة..
وصاحبة المواقف الفاصلة..
إلى المظلومة المقهورة المهضوم حقها..
إلى الشمعة التي أخذتني إلى حيث الهداية..
وفتحت لي آفاق نور الولاية..
سيدتي ومولاتي فاطمة الزهراء (ع)..
وإلى حفيدها الأمل المرتجى وكاشف الدجى.
العدل المنتظر المهدي الحجة بن الحسن عجل الله فرجه الشريف الإمام الثاني عشر والخاتم الذي يملأ الأرض عدلا وقسطا..
راجيا القبول






ونحن أمة تهئ نفسها للانطلاق فلا بد لنا من النظر إلى التاريخ بعقل مستبصر ببصائر الوحي... لا نقبله بعلاته على أساس أنه مقدس فنقدسه بأجمعه تقديسا أعمى ولا نرفضه كليا، لأن تقديس التاريخ يقودنا إلى تكريس سلبيات السابقين لأننا نقدسهم فنتأسى بهم كما فعلت السلفية وهي نظرية لكنها في الواقع تصبح منهجا للعمل ينعكس على سلوكنا.
كيف يمكننا أن نقدس معاوية مع تقديسنا لعلي (ع) وهل يعقل أن نجعل الحسين بن علي ويزيد بن معاوية في كفة واحدة؟ إن التقديس الأعمى للتاريخ يجعلنا لا نفرق بين الظالم والمظلوم، بين القاتل والمقتول ولا بين الطاغية والمجاهد. وبما أننا عرضة للخطأ ونحن نسعى لحمل أمانة السماء يجب علينا أن نتلافى المزالق التي وقع فيها السالفون، ولا يمكن لنا أن نتلافاها إلا بتشخيصها وهذا يتطلب وضعها تحت مجهر البحث والتنقيب...
ولأن تقديسنا ليزيد يعني إعطاءنا الشرعية له وبالتالي لكل طاغية في كل زمان، لا بد لنا من رفض يزيد ليس لأنه ابن معاوية إنما لانحرافه عن الجادة فوجب علينا أن نفترق عنه وننزع قناع العظمة الذي ألبسه له من قدسه.
كما لا يمكننا إلغاء كل التاريخ أو الانتقاء منه بأهوائنا وشهواتنا ورغباتنا لأننا بإلغائه نلغي سنن القرآن والسنة بل كل الإسلام.
إذا عزيزي القارئ يجب علينا أن نتبصر أحداث ونقف على المنعطفات التي مرت عليها الأمة وأن نحدد من يصلح لنا قدوة من غيره حتى نستفيد لحاضرنا فنتقدم لمستقبل مشرق، وبلا شك أمة لا تفرق بين علي (ع) ومعاوية ولا بين الحسين (ع) ويزيد أمة لن تتقدم بل هذا أحد أهم الأسباب لتخلفنا الراهن.
وفيما أنا بصدده لا استغناء عن التاريخ الذي له المدخلية الأولى في فهم الانحراف الذي حدث في الأمة فتنكبت الطريق وبعدت عن الصواب... أما أولئك

الصفحة 30
الذين ينادون بعدم البحث في التاريخ بحجة إثارة الفتن وعدم جدوائية ذلك يخافون من انكشاف الواقع وفضح مأسي الأمة التي اختارتها بكامل إرادتها وهي تبتعد عن نهج الحق.
ولا يهمنا ونحن نبحث عن الحقيقة في صفحات التاريخ أن تتساقط الشخصيات ويتعرى البعض من هالته القدسية المصطنعة حوله، لأنه لا ترجيح للشخصيات في ميزان الحق إلا لمن أخلص له والتزم به وحجتي إن شاء الله مما حفظه لنا التاريخ.
ثالثا - نماذج من انحرافات الأمم السابقة في القرآن الحكيم:
ذكر القرآن الكريم مرارا وتكرارا قصص الأنبياء والرسل السابقين لعلم الله تعالى بما سيجري في هذه الأمة كما جرى في الأمم السالفة وأكد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك بحديثه الصحيح " لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم. قالوا: يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال:
فمن! ".
وعندما تتجول عزيزي القارئ في ربوع الآيات الكريمة وهي تقص عليك قصص السالفين ستجدها تتحدث في إطارين رئيسيين:
الاطار الأول: - تثبيت أن سنة الصراع بين الحق والباطل مستمرة ما دامت السماوات والأرض. ومما لا يخفى على الجميع خصوصا أولئك الذين استناروا ببصائر الوحي من القرآن الحكيم أن هنالك حقا وباطلا فلا يوجد حق نسبي ولا باطل نسبي.. إما حق أو باطل وما بينهما مساحة للباطل (فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون) (1) خصوصا وأن الصراعات التي تدور تكون بعد تبيين الحق، وكما سنرى فإن القرآن بدقته وبلاغته يبين لنا هذه الحقائق. وإليك بعض الآيات الواردة في
____________
(1) - سورة يونس: آية / 32.

الصفحة 31
هذا الشأن:
(تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس، ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر، ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) (1).
تتحدث الآية الكريمة عن عدة أمور:
1 - عن الرسل والرسالات عموما:
إن كلمة رسول ورسل عندما تأتي في سياق الآيات المباركة غالبا ما يدور حديثها حول أمر يرتبط بالرسالة، والاقتتال الذي يحدث بعد الرسل بين قومهم إنما هو انقلاب على الرسالة، وظلال كلمة الرسول في مثل هذه الآية توحي بأن ظاهر الاختلاف ليس حول شخص الرسول إنما في رسالته يقول تعالى (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) (2) وبما أن رسولنا الأكرم (صلى الله عليه وآله) يدخل ضمن دائرة الرسل فإن الآية التي يدور الحديث حولها تشمل سيدنا محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم). خاصة وأن الآية السابقة تؤكد على صفة الرسالية وأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) مرسل كما كان غيره مرسلين (وإنك لمن المرسلين) (3) ويقول تعالى حاكيا عن لسان حبيبه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) (قل ما كنت بدعا من الرسل (4) وبتقريب أكثر فإن السنن التي كانت في السابقين لن تتوقف عند أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
____________
(1) - سورة البقرة: آية / 253.
(2) - سورة آل عمران: آية / 144.
(3) - سورة البقرة: آية / 252.
(4) سورة الأحقاف: آية / 9.

الصفحة 32
2 - وعن التفضيل بين الرسل:
حتى لا يدعي مدع بأن الأفضلية لها دور في حماية الناس من الاختلاف بعد أفضل الأنبياء والمرسلين، وكثيرا ما أسمع من البعض أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خاتم الأنبياء وأفضلهم فكيف تختلف أمته من بعده؟.
أقول: صحيح أن نبينا الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) هو أفضل الأنبياء وأكملهم ولكن ذلك لا يجعل أمته خارج دائرة السنن الإلهية وهذا ما أكد عليه القرآن يقول تعالى (سنة من قد أرسلنا من قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا) (1) ويقول (فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا) (2).
إن حدوث الاختلاف من بعده لا يقدح في أفضليته، إنه كغيره من الرسل الذين جاؤوا لأقوامهم حتى يخرجوهم من الظلمات إلى النور ولكن كل قوم كذبوا رسولهم وانقلبوا على رسالته من بعده وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس بدعا من الرسل كما أوضحنا بل إن نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم)، أوذي أكثر من غيره كما جاء عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلماذا لا يكون الاختلاف من بعده أكبر وأخطر من الاختلاف الذي كان في أقوام الرسل السابقين.
يقول ابن كثير (وقال هاهنا تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله) يعني موسى (ع) ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) (3) وبناء على قوله هذا يكون الاختلاف بعد الرسل يشمل أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
من خلال الآية الكريمة نرى أن الاختلاف دائما ما يكون بعد أن تأتيهم البينات
____________
(1) - سورة الإسراء: آية / 77.
(2) - سورة فاطر: آية / 43.
(3) - تفسير ابن كثير ج 1 ص 263.

الصفحة 33
ويعرفوا الحق ويتبينوا الأمر بواسطة الرسول، ومعنى ذلك أنه لا يجدي التمسك بشماعة التبرير المعروفة باسم " الاجتهاد ". والواقع العملي في أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يرينا أن الاختلاف وقع فيها كالأمم السابقة وبعد أن بين لهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) معالم الصراط المستقيم ونصحهم وهو القائل " ما من شئ يقربكم إلى الجنة ويبعدكم عن النار إلا وأمرتكم به ". يقول سيد قطب في تفسير الآية (ولم تغن وحدة جماعة الرسل في طبيعتهم ووحدة الرسالة التي جاؤوا بها كلهم لم تغن هذه الوحدة عن اختلاف أتباع الرسل حتى ليقتتلون من خلاف) (1).
3 - وأن نتيجة هذا الاختلاف:
أن فريقا تمسك بالحق فآمن وآخر حاد عنه فكفر، وذلك يعني أنهم ليسوا في مرتبة واحدة أو أنهم جميعا على الحق.
لكن لماذا يكون الاختلاف بعد البينات؟ هذا ما تكفلت بالإجابة عليه مجموعة من الآيات التي تكررت في القرآن الكريم ليؤكد الله سبحانه وتعالى استمرار السنن في الأرض ويبين طبيعة الإنسان الظلمانية التي تنجذب دائما لرغباته وأهوائه وجهله..
يقول تعالى: (وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم) (2)، (وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم) (3)، (وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم) (4)، (وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم) (5).
نجد أن الآيات القرآنية تربط دائما بين الاختلاف والبغي، و (معناه) في اللغة
____________
(1) - في ظلال القرآن ج 1 ص 284.
(2) - سورة البقرة: آية / 213.
(3) - سورة آل عمران: آية / 19.
(4) - سورة الشورى: آية / 14.
(5) - سورة الجاثية: آية / 17.

الصفحة 34
كما جاء في لسان العرب لابن منظور: التعدي، وبغى الرجل علينا بغيا: عدل عن الحق واستطال ومعان أخرى تدل على سوء النية وهي كما لا يخفى مغايرة لمعنى الاجتهاد الذي أصبح صكا يعصم كل المنحرفين عن المسألة والمحاسبة
4 - كما نجد في هذه الآيات:
أن الاختلاف يكون بين الذين أوتوا الكتاب أي أنهم عالمون بالحق ويدركون جهته ولكنه البغي فتأمل أيها المؤمن وتدبر، تلك آيات الله (ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب) (1).
الاطار الثاني: كثيرا ما يضع الفرد منا مباني يبني عليها طريقة تفكيره وتقييمه للأحداث وفي الغالب يكون نقاشنا لأي قضية من زاوية عاطفية أو بمنطق موروث مقدس لا يعطي للآخرين فرصة للحوار والنقاش، ومثال ذلك الحديث الذي يدور حول الصحابة الذين عاشوا مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وبقوا حتى وفاته وامتدت أعمار بعضهم إلى أمد طويل هل يمكن وضعهم في ميزان العدالة لتصنيفهم أم أنه لا يجوز لنا ذلك باعتبارهم عاشوا مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخذوا منه الدين ولا يمكن نقدهم؟! لا أريد مناقشة نظرية عدالة الصحابة عند أهل السنة والجماعة الآن إنما ذلك متروك للأبواب الآتية التي سنناقش فيها ما حدث منهم بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أما الآن فنحن بصدد أخذ بصائر من القرآن الكريم تفيدنا في بحثنا هذا ونستدل بقصتين تفصيليتين من الأمم السابقة ذكرتا في القرآن ثم نحاول أن نتدبر فيهما لنخرج بقاعدة كلية تعيننا في مسيرتنا هذه.
____________
(1) - سورة آل عمران: آية / 19.

الصفحة 35
القصة الأولى: بلعم بن باعوراء مع نبيه موسى (ع)
يقول تعالى (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، ولو شئنا لرفعناه بها لكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون) (1).
يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآيات " هو رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم بن باعوراء كان يعلم الاسم الأكبر وآتاه الله آياته وهو من العلماء من أتباع موسى (ع) بعثه إلى ملك مدين يدعوه إلى الله فأقطعه وأعطاه، فتبع دينه وترك دين موسى (ع)! " ويواصل ابن كثير في سرد قصته ويقول: " إن بني عمه أتوا إلى بلعم وقالوا له إن موسى رجل حديد ومعه جنود كثيرة وإنه إن يظهر علينا يهلكنا فادع الله أن يرد موسى ومن معه قال إن دعوت الله أن يرد موسى ومن معه ذهبت دنياي وآخرتي فلم يزالوا به حتى دعا عليهم " موسى وأتباعه " فسلخه الله مما كان عليه " وفي قوله تعالى (لو شئنا لرفعناه بها) يقول ابن كثير " أي لرفعناه من الدنس عن قاذورات الدنيا بالآيات التي أتيناه إياها (ولكنه أخلد إلى الأرض) أي مال إلى زينة الحياة الدنيا وزهرتها وأقبل على لذاتها ونعيمها وغرته كما غرت غيره من (أولى البصائر والنهي "(2).
يظهر جليا من خلال الآيات وكلام ابن كثير حولها أن بلعم هذا بلغ درجة من الإيمان والتقوى والورع حتى أعطي آيات الله والاسم الأعظم وذلك يعني أنه عالم كبير وكان من أتباع موسى (ع) ولكنه مال إلى أهوائه وشهواته واغتر بالدنيا فأضحى كالكلب.
هذه القصة ذات الأسلوب البليغ في السرد تعطينا بصيرة مهمة جدا نستطيع من
____________
(1) - سورة آل عمران: آية / 175 - 176.
(2) - تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 2 ص 23.

الصفحة 36
خلالها أن نبدأ التوغل في عمق التاريخ بلا وجل، فها هو القرآن ينسف قاعدة العدالة المطلقة والقدسية لغير المعصوم، وهذه الآيات دلالتها واضحة على أن الإنسان مهما بلغ في العلم والتقوى بإمكانه في أي لحظة أن يخلد للأرض ويكفر بنعم الله تعالى وهذه نقطة مهمة إذ كثيرا ما تثار قضية عدالة الصحابة وأنهم لا يمكن أن يخونوا أمانات الله والرسول! وإذا سألتهم ما الدليل؟ قالوا: عاشوا مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجاهدوا معه، ولكن القرآن الحكيم الذي فيه نبأ من كان قبلنا وفصل الذي بيننا وخبر ما بعدنا بين هذا الأمر، حتى ولو فرضنا محالا أن جميع الصحابة بلغوا مرحلة من التقوى والورع فإنه يبقى هنالك إمكان بعدم التزامهم بالحق حتى آخر نفس في حياتهم... والحال أننا لم نسمع بأن أحدهم كان يملك الاسم الأعظم!!.
يبقى الأصل القرآني " إن جميع الخلق ما عدا المعصومين معرضون للزلزلة والابتلاء ومن ثم النجاح أو الفشل فيه فالانتقال من جهة الحق إلى الباطل حتى ولو بلغوا أعلى درجة من التقوى والمقياس الحقيقي هو الاستقامة في طريق الحق والالتزام به كاملا ".
بعد هذا لا أظن أن أحدا يحتاج أن يمد عنقه قائلا بعدم إمكان تخلي بعض الصحابة عن الحق في أي لحظة من دون أن ينكر حقيقة وقاعدة قرآنية، ولكن بالإمكان السؤال عن مصداق ذلك في أمة نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والتفصيل متروك لمحله.
يقول محمد علي الصابوني في تفسير آخر هذه الآية (فاقصص القصص لعلهم يتفكرون) أي أقصص على أمتك ما أوحينا إليك لعلهم يتدبرون فيها ويتعظون) (1) فهلا تدبرنا واتعظنا.
____________
(1) - صفوة التفاسير ج 1 ص 482.

الصفحة 37
القصة الثانية: السامري وهارون مع بني إسرائيل
قال الله تعالى (قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا، ألا تتبعن أفعصيت أمري، قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي، قال فما خطبك يا سامري، قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي) (طه / 83 - 97).
قبل أن نبدأ في شرح قصة السامري الذي انقلب على خليفة موسى " هارون (ع) " هنالك ملاحظة هامة نلحظها في القرآن الكريم وهي (التركيز على قصص بني إسرائيل) ترى لماذا هذا التركيز؟ لا بد من وجود حكمة تقتضي ذلك.
في الواقع هناك شبه كبير بين بني إسرائيل وأمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولعل أبرز نقاط التشابه كما سيتضح من خلال الأحداث التاريخية ما جرى لموسى وهارون (ع) من بني إسرائيل وما جرى لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (ع) من هذه الأمة وقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " له مغزى ودلالات عظيمة، وما أورده ابن قتيبة في تاريخه الإمامة والسياسة يبين لنا جانبا من التشابه بين الأمتين... يقول في معرض قصة طلب عمر من علي (ع) البيعة لأبي بكر " بقي عمر ومعه قوم أمام بيت فاطمة (ع) فأخرجوا عليا فمضوا به إلى أبي بكر فقالوا له: بايع فقال: إن لم أفعل فمه؟ قالوا: إذا والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك. فقال: إذا تقتلون عبد الله وأخا رسوله... إلى أن قال ابن قتيبة: فلحق علي بقبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصيح ويبكي وينادي: يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا أن يقتلوني (1) وهذا ما قاله هارون
____________
(1) - الإمامة والسياسة تاريخ الخلفاء: ج 1 ص 12.

الصفحة 38
لموسى (ع).
أما السامري كما ورد في التفاسير ومجمل الكتب التي أوردت قصص الأنبياء فإنه ربيب جبرائيل تعهده منذ الصغر حينما كان فرعون يقتل كل ذكر يولد في بني إسرائيل، ويوم نزل جبرائيل (ع) حتى يأخذ موسى إلى الميقات أخذ السامري قبضة من أثره وألقى به في جسد العجل المصنوع من الحلي فأصبح له خوار. وما يهمنا من القصة أن السامري كان من أصحاب موسى (ع) وكما هو واضح بلغ مرتبة عظمي حتى قال (بصرت بما لم يبصروا به) وكان له من العلم ما لم يكن لغيره وحظي بمشاهدة جبرئيل واستطاع بكل ذلك أن يضل بني إسرائيل الذين اتبعوه باعتبار أنه ذو مكانة... فسولت له نفسه الأمارة بالسوء فكان عمله الباطل الذي أضل به القوم...
السؤال الآن، هل يمكن أن نجد في تاريخ الأمة الإسلامية وواقعها بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مصداقا لمثل هذا الانحراف؟ مع علمنا التام بأنه لا يوجد أحد من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يحلم برؤية جبرئيل على حقيقته ومعرفته وامتلاك بعض الأسرار الإلهية المكنونة في أثره... صحيح أن جبرئيل كان يأتي للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في صورة رجل يسأله عن أمور الدين ولكن ما كان الصحابة يعرفونه إلا بعد مغادرته وبيان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فأين كان السامري وأين هم الصحابة؟.
وعند البحث في جذور انحراف الأمة بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سترى مدى تطابق الأحداث التاريخية مع القصص القرآنية خصوصا قصة بني إسرائيل.
وفي ختام هذا الفصل (أعرض عليك عزيزي القارئ سببين رئيسيين يذكرهما القرآن لأنهما يمنعان الإنسان من الاهتداء إلى الحق، أو الالتزام به بعد معرفته، وهذان السببان يعترضان أي إنسان في أي مكان وأي زمان.

الصفحة 39
أولا:
تقديس ما توارثناه عن آبائنا وأجدادنا وهي مشكلة كبيرة ذمها القرآن باعتبارها عائقا وحائط صد منيع يجب تجاوزه خصوصا في مسألة الاعتقاد والتي نسأل عنها باعتبارها تكليفا عينيا بعيدا عن الانتماءات الأسرية والاجتماعية وغيرها...
يقول تعالى: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) (1).
(وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون، قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين) (2).
(وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير) (3).
وغيرها من الآيات التي تتحدث حول هذا الموضوع.
ثانيا:
الاستكبار بعد معرفة الصواب وهذه المشكلة كانت السبب الرئيسي في عدم اتباع الأمم لرسلهم وهي التي أخرجت إبليس من رحمة الله تعالى...
يقول تعالى: -
(ويل لكل أفاك أثيم، يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم) (4).
____________
(1) - سورة البقرة آية / 170.
(2) - سورة الزخرف: آية / 23 - 25.
(3) - سورة لقمان: آية / 21.
(4) - سورة الجاثية: آية / 7 - 8.

الصفحة 40
(أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون) (1).
(والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) (2).
(إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين) (3).
هذه بعض العوائق التي تقف حائلا بيننا وبين معرفة الحق واتباعه... والبحث الآتي بين طيات هذا الكتاب يحتاج لإزاحة مثل هذه الحجب وغيرها حتى يرى الإنسان الحقيقة كرؤيته للشمس في واضحة النهار والله المستعان.
____________
(1) - سورة البقرة: آية / 87.
(2) - سورة الأعراف: آية / 36.
(3) - سورة الأعراف: آية / 40.

الصفحة 41
الفصل الثالث
الشيعة والتشيع

الصفحة 42

الصفحة 43
الشيعة والتشيع
مجرد كلمة شيعي تعني لدى الكثير من الناس السب والشتم والضلال... هكذا علموهم... وهكذا فرضوا عليهم سياجا من الجهل، يقولون لا تبحث عنهم... لا تقرأ لهم. وعدنا إلى عهد معاوية حيث سب علي (ع) على المنابر سنة، وتزداد المكافأة الملكية كلما أمعنت في لعن أبي الحسن وأهل بيته (ع)... كلا نحن لم نعد ولكن الصراع الأيديولوجي هو الذي امتد إلى يومنا هذا، ما زال علي يسب، فقط تغير العنوان فأصبح الشيعة.. أما عوام الناس فدورهم فقط تلقي الأوامر " من أحبارهم "، وهم تحت مظلة السنة والجماعة وهل هنالك من يرفض أن يكون مع السنة والجماعة... ولكن أي سنة هي وأي جماعة؟ هل هي سنة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أم أنها سنة من غير وبدل سنة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ وحتى لانتوه نتوقف قليلا لمعرفة هذه العناوين والمسميات، ماذا تعني الشيعة ومن هم... وما هي السنة والجماعة وذلك في لمحة موجزة..
1 - التشيع لغة هو المشايعة أي المتابعة والمناصرة والموالاة (1) في القرآن الكريم:
(وإن من شيعته لإبراهيم).
واصطلاحا يراد بهم أتباع وأنصار آل البيت (ع) وهم الذين ناصروهم في كل محنهم وسلكوا مسلكهم ووالوهم، يقول ابن خلدون " اعلم أن الشيعة لغة هم الصحب والاتباع ويطلق في عرف الفقهاء والمتكلمين من الخلف والسلف على أتباع علي وبنيه " (2).
تضاربت الآراء والأقوال لدى البعض حول بداية التشيع فهنالك من يرى أن الشيعة تكونوا بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وممن يذهب إلى هذا ابن
____________
(1) - تاج العروس ولسان العرب مادة شيع.
(2) - تاريخ ابن خلدون الفصل 27 في مذهب الشيعة ص 348.

الصفحة 44
خلدون في تاريخه فقد قال: إن الشيعة ظهرت لما توفي الرسول وكان أهل البيت يرون أنفسهم أحق بالأمر وأن الخلافة لرجالهم دون سواهم من قريش ولما كان جماعة من الصحابة يتشيعون لعلي ويرون استحقاقه على غيره ولما عدل به إلى سواه تأففوا من ذلك... الخ (1)ومنهم أيضا اليعقوبي في تاريخه وهو يقول ويعد جماعة المتخلفين عن بيعة أبي بكر هم النواة الأولى للتشيع ومن أشهرهم سلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري والمقداد بن الأسود والعباس بن عبد المطلب (2).
وهناك من يرى أن التشيع نشأ أيام الخليفة الثالث عثمان ومنهم من يقول أنه تكون أيام خلافة علي (ع) ورأي آخر يقول بظهور التشيع بعد واقعة الطف.
كل هذه الأقوال لا تثبت أمام التحقيق في كتب التاريخ والحديث والتفسير، وربما يكون أقربها إلى الصواب الرأي القائل بأن التشيع بدأ بوفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن يواجه هذا الرأي بسؤال وهو كيف يمكن أن تتبلور هذه الفكرة في ظرف أقل من أسبوع؟ إلا إذا كانت موجودة بالفعل ولكن الأحداث هي التي جعلتها تأخذ مكانها في الواقع الخارجي.
أما الشيعة وغيرهم من المحققين من المذاهب الأخرى فإنهم يذهبون إلى أن التشيع ولد حينما ولدت الرسالة على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنه هو الذي غرسه في النفوس عن طريق الأحاديث التي وردت على لسانه (صلى الله عليه وآله وسلم) وكشفت عما لعلي (ع) من مكانة في مواقع متعددة رواها إضافة إلى الشيعة ثقاة أهل السنة، ولقد وردت كلمة شيعة على لسان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإليك نماذج من النصوص التي وردت:
1 - في الدر المنثور للسيوطي ج 8 ص 589.
____________
(1) - المصدر السابق ج 3 ص 364.
(2) - تاريخ اليعقوبي.

الصفحة 45
روى عن ابن عساكر بسنده عن جابر بن عبد الله قال كنا عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأقبل علي (ع) فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة " فنزل قوله تعالى (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية).
2 - ابن حجر في الصواعق المحرقة الباب (11) الفصل الأول الآية الحادية عشر: -
عن ابن عباس قال: - لما أنزل الله العالي (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (ع) " هم أنت وشيعتك تأتون يوم القيامة راضين مرضيين ويأتي عدوك غضابا مقمحين ".
3 - القندوزي الحنفي في ينابيع المودة ج 2 ص 61.
عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
" علي وشيعته هم الفائزون يوم القيامة ".
ومن المصادر التي ذكرت هذه الرواية في تفسير قوله (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات)... الخ الآية:
أ - تفسير الطبري ج 3 / 146.
ب - روح المعاني للآلوسي ج 3.
ج - كفاية الكنجي الشافعي ص 244 - 246.
وغيرها من المصادر.
والشواهد التاريخية كثيرة على ذلك، فكل الحوادث التي شارك فيها علي (ع) أو الحسن والحسين (ع) تصف أصحابهم بأنهم من شيعتهم.
والشيعة الآن هم الذين يوالون أهل البيت (ع) ويأخذون منهم معالم دينهم أصولا وفروعا باعتبار أنهم حملة السنة، والامتداد الطبيعي لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبذلك يكونون هم الذين اتبعوا سنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

الصفحة 46
والتزموا بتمسكهم بأئمة أهل البيت (ع) كما أمرهم (صلى الله عليه وآله وسلم)، والخلاف بينهم وبين أهل السنة ليس خلافا حول المسميات إنما القضية تختص بمنهج كل منهما وأيهما يمثل رسالة السماء.
أما بالنسبة لأهل السنة والجماعة فالسنة في اللغة تعني الطريقة والمنهاج.
واصطلاحا تعني كل ما صدر عن الرسول من قول أو فعل أو تقرير ويسمي السنة مذهبهم " أهل السنة والجماعة " ويقصدون بذلك أنهم أصحاب الطريقة المحمودة ولم يعرف هذا الاسم إلا مؤخرا حيث كان يعبر عن منهج أصحاب السقيفة في مقابل المناوئين لهم وهم علي وشيعته. وظلال اسم أهل السنة والجماعة توحي بأن الشيعة هم المخالفون للسنة الشريفة ولكن سنرى من الذي اتبع سنة المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) حقا ومن الذي حرف وبدل وغير.
التشيع والفرس:
رغم أن التشيع هو عمق الإسلام وجوهره إلا أننا نجد بعض المأجورين يحاولون ربط التشيع بالفرس على نحو يحمل في طياته أنه شئ طارئ في الجسد الإسلامي اختلط بثقافة أهل فارس قبل الإسلام... وفات هؤلاء أن التشيع كان قبل أن يدخل الإسلام إلى فارس كما سبق وأن بينا أن ولادة التشيع كانت مع بزوغ فجر الرسالة المحمدية، ودخل إلى بلاد فارس من العراق ولبنان وغيرها من الدول العربية. ووجد فيها رجالا حملوا الأمانة كما كان سلمان الفارسي (رض).
وحتى تعم الفائدة نذكر لإخواننا السنة.. أن أغلب علمائهم من فارس ومنهم البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة والرازي والقاضي البيضاوي وغيرهم من فطاحل أهل السنة والجماعة.
والآن الكل يدعي تمسكه بسنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والفيصل هو أن نضع كلا الطائفتين في الميزان ونرى.

الصفحة 47
ظلال التشيع في السودان
بعد أن انتبهت من الغفلة وبدأ نور الحقيقة يكشف عن الواقع التفت إلى مجتمعي في السودان الذي يتميز بالبساطة والفطرية والأخلاق الدينية، فوجدت أن هنالك أشياء أخرى بدأت تظهر لي بعد استبصاري وهو أن الخلفية الثقافية التي بني عليها الشعب السوداني نمط سلوكه وطريقة تفكيره خلفية شيعية بلا أدنى شك، لاحظت ذلك في كل مفردة من مفردات الحياة العامة في الشارع السوداني بل إن معظم معتقداتهم تهتف بأن للتشيع جذورا عميقة في السودان وأذكر أن أحد الإخوة قال لي: - إن الصوفية ثمرة التشيع أو هم فرعان لأصل واحد بل الصوفية هم الشيعة في ثوب سني فقلت له: إذا السودان بلد شيعي انحرف به التيار.
وباطلاعي على التاريخ وجدت إشارات تبين هذه الحقيقة، وأعتقد أن الدولة الفاطمية التي قامت في مصر لها الأثر في ذلك، إذ أن حوض النيل الذي يربط بين مصر والسودان كان من العوامل المساعدة لانتقال التشيع إلى السودان في عهد الدولة الفاطمية وهي دولة شيعية.. وحب أهل البيت (ع) وما يرتبط بهم من عقائد بصورة مجملة من الثوابت الفكرية المشتركة بين مصر والسودان ومقامات أهل البيت (ع) في مصر وتسيير القوافل من السودان لزيارتها شاهد على ذلك حتى قال أحد المشايخ في السودان ويدعى محمود البرعي وله قصائد كثيرة في مدح أهل البيت (ع) في إحدى قصائده " مصر المؤمنة بأهل الله " ويقصد أنها مؤمنة بأهل البيت (ع).
ولا أحد ينكر عمق المحبة لأهل البيت (ع) في مصر والسودان، وأنا لا أستطيع أن أحصر كل تلك المظاهر ذات الجذور الشيعية ولكن ما وجدناه من آثار يدل على أن الشيعة انتقلوا إلى السودان يوما ما وكرسوا في نفوس الأجيال محبة أهل البيت (ع) دون أن يعلنوا عن عمق معتقدهم وربما يكون ذلك تخوفا بعد أن تذوق الشيعة الأمرين على طول التاريخ.

الصفحة 48
ومما نستظهره من كتب التاريخ أن اعتماد الدولة الفاطمية في جيشها كان على السودانيين وكان الحرس الخاص لخلفائها منهم، يقول ابن الأثير في تاريخه وهو يصف ما فعله صلاح الدين الأيوبي في أعوان الفاطميين إن مؤتمن الخلافة - كان من السودانيين - حاول أن يقضي على صلاح الدين الأيوبي قبل أن يسيطر تماما على البلاد ويهلك الحرث والنسل فعلم صلاح الدين بما دبر له فتربص بمؤتمن الخلافة واسمه جوهر حتى قتله ثم يقول ابن الأثير فغضب السودان الذين بمصر لقتل مؤتمن الخلافة، فحشدوا وجمعوا فزادت عدتهم على خمسين ألفا وقصدوا حرب الأجناد ".
وقع القتال " وكثر القتل في الفريقين فأرسل صلاح الدين إلى محلتهم المعروفة بالمنصورة فأحرقها على أموالهم وأولادهم وحرمهم فلما أتاهم الخبر بذلك ولوا منهزمين فركبهم السيف وأخذت عليهم أفواه السكك... (إلى أن يقول) فأبادهم بالسيف ولم يبق منهم إلا القليل الشريد "(1).
إذا لقد كان للسوادنيين حظوة في عهد الفاطميين ولم يكن ما حدث لهم إلا لأنهم تبنوا مشروع الدولة الفاطمية وهو الدعوة لأهل البيت (ع) ومقاومتهم لصلاح الدين الأيوبي المناوئ للشيعة أكبر دليل على ذلك " وقد كانت الثورة ضد صلاح الدين من قبل الجند الفاطمي وأكثرهم من السودانيين " (2).
ويبدو لي أن لغلظة صلاح الدين وتحامله على الشيعة (3) دور في اختفاء المظهر
____________
(1) - الكامل في التاريخ لابن الأثير، ج 11، ص 346 - 347.
(2) - الدولة الفاطمية في مصر د. جمال الدين سرور ص 132.
(3) - يقول الدكتور محمد جمال الدين سرور في كتابه الدولة الفاطمية في مصر ص 135 لما أيقن صلاح الدين أن سلطته قد استقرت وجه اهتمامه إلى القضاء على المذهب الشيعي في مصر فأنشأ سنة 566 مدرسة لتدريس المذهب الشافعي وأخرى لتدريس المالكي وعزل قضاة الشيعة.. " ونفس الكلام يورده ابن الأثير في تاريخه ج 11 ص 366.
ولصلاح الدين الأيوبي الكثير من المجازر وسفك الدماء وانتهاك حرمات شيعة أهل البيت (ع) يقول الشيخ محمد جواد مغنية في كتابه الشيعة والحاكمون ص 192 عن صلاح الدين الأيوبي أما سياسته مع الأسرة المالكة " الفاطميين " فقد كانت سياسة القمع والنذالة والخسة بأبشع صورها فقد قبض على سائر من بقي من أمراء الدولة وأنزل أصحابه في دورهم في ليلة واحدة، وحبس بقايا العلويين في مصر وفرق بين الرجال والنساء حتى لا يتناسلوا، وأعاد يوم قتل الحسين (عاشوراء) عيدا كسنة بني أمية والحجاج.